Menu

موقع ديلي 48 | أخبار فلسطينيو ٤٨ اليومية

موقع ديلي 48 | أخبار فلسطينيو ٤٨ اليومية

الدّر المنثور من كلام الدكتور منصور

الشيخ كمال خطيب

كثيرة هي المواقف والتصريحات والمقالات، وأكثر منها هي التلميحات والإيماءات والهمسات، كنا نسمعها ونقرأها، وكنا نعلم علم اليقين- مثلما يعلم ويفهم أي قارئ- مَنِ المقصودُ بها. لكننا كنا نتجاوز ونتغاضى، بل إننا كنا في بعض الأحيان نتظاهر بالغباء وعدم فهم المقروء. وكنا نتعمد عدم النبش فيما وراء الكلمات والسطور.
كنا نفعل ذلك، وما زلنا، لأننا كنا دائما نسعى لبقاء حبال وصلٍ، بل وشعرات ودّ يجب ألا تقطع. نالنا الكثير، وتطاولت علينا ألسن، وطعنت بنا منابر، وآذتنا بحبرٍ أسود أقلامٌ، لأننا لم ننس أبدا أنها حقوق لنا على بعضنا هي حقوق الأخوّة الإسلامية قبل التنظيم، بل هي أهم وأقدس من التنظيم ولوائحه ومفرداته.
كان هذا دائما، ولكنه ازداد وتجذر أكثر في السنوات الأخيرة. صحيح أننا لم نتوصل إلى وحدة شقي الحركة الإسلامية، ولا مجال لذكر الأسباب، ولا الخوض في التفاصيل، ولا للإشارة إلى من كان السبب في عدم الاتفاق والوحدة، لكن الظروف والمآسي والهموم التي يعيشها شعبنا وتعيشها شعوب المنطقة جعلتنا، وبشكل تلقائي، ومن شقي الحركة الإسلامية، نترفع عن الخوض في الماضي أو الانشغال بأخطاء بعضنا بعضا، رغم بعض مواقف تحدث بين المرة والمرة.
لكن اللافت والمثير للاهتمام، بل أكثر من ذلك، أن شخص الأخ الدكتور منصور عباس؛ نائب رئيس الحركة الإسلامية الجنوبية، ورغم ما كان يظهره من وُدٍّ عندما نلتقي معه؛ هذا الود كان يجعلنا أو نكاد ننسى بسببه ما كنا نعرفه عنه من معلومات ومواقف أكيدة، فيها من السلبية ما فيها، تجاهنا أشخاصًا أو تنظيمًا وحركة؛ هي الحركة الإسلامية المحظورة فيما بعد إسرائيليا.
حتى كان يوم الخميس الأخير 4/5/2017 حينما بثت ونشرت المقابلة المتلفزة التي أجراها معه "موقع العرب"، وعادت ونشرت تفاصيلها صحيفة "كل العرب" صباح الجمعة 5/5/2017 .
نعم، لا أدري ما السبب وما دوافع اختيار الدكتور منصور لهذا الكم الهائل من السهام الجارحة، بل والمسمومة ليخرجها من جعبته ويوجهها إلى إخوانه، حتى لو كانت هي أسئلة المحاورين الصحافيين التي تلقى عليه، فكان في إمكانه- وهو المتحدث اللبق- أن يحولها إلى أجوبة فيها يقدر الظرف والمرحلة الذي يمر به إخوانه، ويظهر بذلك أنه القيادي المسؤول والأخ وابن الدعوة الحريص، لكنه لم يفعل ذلك، وإنما اختار أن ينثر من فمه سيلا من الاتهامات الباطلة والظالمة، لا بل وأكثر من ذلك.

ففي الوقت الذي راح فيه يجلد أخويه الشيخ رائد صلاح والشيخ كمال خطيب، وهما الملاحقان، وقد حظرت الحركة الإسلامية، وهما ممنوعان من السفر وممنوعان من دخول القدس والأقصى وإخوة لهما معتقلون بتهمة الرباط في الأقصى وخدمة أهل القدس الشريف في ملف (عشاق الأقصى)؛ منهم المعتقل منذ أربعين يوما، ومنهم المبعد خارج بلده منذ أكثر من شهرين، ومع أنه لم يبادر للسؤال ولا المشاركة في أية جلسة أو نشاط مناصرة لقضيتهم كما فعل ذلك سياسيون علمانيون وغير إسلاميين.
نعم، إنه لم يقدّر الظرف، ولم يشفق على إخوانه، بينما يقول في مقابلته العتيدة متحدثا عن مناقب أيمن عودة بالقول: (أنا أشفق عليه لأنه يتحمل مسؤولية رئاسة القائمة).
يا سبحان الله يا دكتور منصور! سلم من لسانك أيمن عودة ولم يسلم منه الشيخ رائد والشيخ كمال؟؟!! أتشفق على أيمن عودة ولا تشفق على إخوانك؟!

ويستمر سيل الدر المنثور من فم الدكتور منصور لما يقول: (أصوات الحركة الإسلامية الشمالية كانت ستضع الشيخ كامل ريان رئيسا للمتابعة، لكن الشمالية خدمت محمد بركة. الشمالية أخطأت عندما اختارت التصويت بورقة بيضاء).

يا حضرة الدكتور: من أشد وأنكر؟ ومن هو الذي اختلت موازينه، ونحن الذين- وكما تقول- صوّتنا بورقة بيضاء؟ نعم، لم نصوت لكامل ريان، لكننا لم نصوت لمحمد بركة لرئاسة المتابعة. أما أنت الذي تصوت بكلتا يديك لأيمن عوده ليكون رئيسا للقائمة المشتركة، أليس محمد بركة وأيمن عوده من نفس الحزب الشيوعي والجبهة؟ لماذا تعيب علينا أننا لم نصوت لأحد، بينما أنت وإخوانك صوتم لأيمن عودة؟ ولا مجال للتذكير بمواقفه من قضايا تخص لب الدين وجوهر الإسلام. فما دام لك موقف من الحزب الشيوعي فلماذا تحالفتم معهم، بل ورضيتم أن يتصدروا عليكم؟؟

ويستمر سيل الدر المنثور من فم الدكتور منصور، وما كان ينبغي له أن يُستدرج من قبل الصحافي المحاور، وهو كما أشرت، اللبق الذي يمكنه إدارة الحوار كما يريد لا كما يريد الصحافي. ولكن يبدو أن الأشياء التي تؤلمه وتضايقه ما كان أسهل عليه من أن ينطق بها لسانه على شكل طعنات واتهامات، بل أكثر من ذلك كما تقول المقابلة: (وتطرق الدكتور منصور إلى دور الحركة الإسلامية الجنوبية في نصرة المسجد الأقصى المبارك وقال بهذا الصدد: لنا دور في الأقصى المبارك كما للشمالية، لكن صوتهم في الإعلام أعلى من صوتنا).

لن أناقش في حقيقة هذا الكلام، حيث ومن كلامه ومن بين الأحرف والكلمات تعرف الحقيقة. لكن لماذا يجعل العمل في المسجد الأقصى المبارك ونصرته ميدانا للتنافس السلبي؟ لماذا لا تبارك كل جهد وكل عمل، أيا كان صاحبه ومن يقف وراءه لنصرة الأقصى؟ لماذا لا تقول إن نصرة الأقصى هو واجب كل المسلمين؟ لماذا لا تقول إن  قضية القدس والأقصى هي أكبر من الحركة الإسلامية وأكبر من فلسطينيي الداخل، بل وأكبر من كل الشعب الفلسطيني ومن كل العرب؟ لماذا لا تقول إنها قضية كل المسلمين؟ لماذا لا يكون الجواب: نحن قدمنا وإخواننا قدموا، ونسال الله القبول لنا ولهم؟ لماذا لا يكون جوابك- يا دكتور منصور- إننا بعد حظر إخواننا وإغلاق مؤسساتهم الثلاثين، ومنها خمس مؤسسات كانت لخدمة المسجد الأقصى، فإننا سنكمل المشوار ونستمر لخدمة الأقصى؟ لماذا أصبح الميزان عندك وتقول بعالي الصوت: (لكن صوتهم في الإعلام أعلى من صوتنا؟

ويستمر سيل الدر المنثور من فم الدكتور منصور، ولكنني في الحقيقة قد صدمت ولم أكد أصدق ما أقرأ حين وقعت عيناي على تأكيد الدكتور منصور عباس؛ نائب رئيس الحركة في شقها الجنوبي بقوله: (إن الجسم التنظيمي الوحيد الذي يخاطب الجمهور باسم الحركة الإسلامية هو الذي يرأسه الشيح حماد أبو دعابس)!!!

لا يحتاج الكلام إلى تفسير ولا إلى ترجمة، ولا يحتاج إلا أن نقف وتتأمل، ثم  تتأمل وتسأل نفسك: هل فعلا هذا كلام الدكتور منصور؟ هل فعلا قالها؟ وهل كان مدركا معنى وحقيقة ومقصد ما يقول؟ ولعلك تفرك عينيك من جديد وتحك رأسك لتستيقظ من صدمتك.

إن معنى تأكيد الدكتور منصور على أنه لا جسم اليوم ولا حركة اسمها الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني إلا التي الشيخ حماد رئيسها وحضرته نائبه، وحضرته كذلك الناطق باسمها، كما عرّف نفسه في المقابلة.

إن معنى كلامه أنه كانت يومها حركة اسمها الحركة الإسلامية الشمالية، فجاء نتنياهو ولسان حاله يقول: "جزاه الله خيرا وشكرا له" فحَظَرها يوم 17/11/2015 وأراحنا منها وأراح أهل الداخل من حيرتهم، ومن وجود حركة شمالية وجنوبية. لقد حظر نتنياهو الحركة الشمالية المشاغبة، وبقيت الحركة الإسلامية الشرعية والقانونية، و"خلا الميدان لحميدان" كما يقول المثل الشعبي.

هل كنت إذا يا دكتور منصور في انتظار هذا اليوم الذي فيه تحظر الحركة الإسلامية ،لتبقى وحدها " شرعية " و "תקן "و  "כשר" التي لم يحظرها نتنياهو، والتي أنت نائب رئيسها؟ أنا لا أقول هذا، ولكنه التفسير والمعنى الحقيقي لكلامك .

أليس معنى وتفسير ما تقوله هو الرضى والموافقة والقبول، بل والسرور بما فعله نتنياهو وليبرمان وبينت من قرار حظر الحركة الإسلامية وإخراجها عن القانون؟؟!!
يا حضرة الدكتور! بعد هذا الكلام وما قيل، وهذا الدر المنثور من كلامك ومن لسانك فإن المجاملات والكلام المعسول وتسجيل المواقف ورفع العتب وادعاء رفض قرار حظر الحركة الإسلامية، إن أقل ما يقال عنه إنه كان كذبا وغير صادق، بل إنه كان تباكيا منك!!!
يا دكتور منصور؛ إننا نعتز ونفتخر أننا أبناء الحركة الإسلامية المحظورة إسرائيليا. فهنيئا لك أنك نائب رئيس الحركة الإسلامية التي يرضى عنها نتنياهو ويقبل بها ويعتبرها قانونية ويسمح باستمرار عملها. أنا لا أظلمك ولا أظلم إخوانك بهذا الكلام، فهذا هو تفسير أنه لا جسم تنظيميا اسمه الحركة الإسلامية بعد قرار حظرنا إلا اسم الحركة التي أنت نائبها.

يا دكتور منصور، نعلم علم اليقين- كما ذكر ذلك أكثر من مصدر إعلامي إسرائيلي، بعد قرار حظر الحركة الإسلامية- أن قرار الحظر قد صدر في مؤتمر القمة الذي عقد يوم 25/10/2015 في الأردن، والذي شارك فيه جون كيري وزير خارجية أمريكا ونتنياهو والملك عبد الله الثاني، وفيه اتخذ قرار حظرنا، والذي صدر رسميا ونفذ بعد ثلاثة أسابيع، أي يوم 17/11/2015 وكأنه قرار إسرائيلي، وكان ذلك بالتشاور بل وبمباركة سلطة أبو مازن في رام الله، مبررين ذلك بأن دور الحركة الإسلامية الشمالية في الأقصى يحرجهم، وهو -حسب قولهم- وراء أعمال العنف التي تحصل في الأقصى عند وقوع اقتحامات اليهود. فهل جرى في ذلك اللقاء الدنس تعريف حركة إسلامية شمالية مغضوب عليها ويجب حظرها، وحركة إسلامية جنوبية لا يمسّ بها وتبقى تعمل بكل حرية؟؟!!

يا دكتور منصور، وأنت المنظّر الجيد، لكن تذكر أن مشروع الحركة الإسلامية هو أكبر من الاسم ومن اللافتة ومن العنوان، وأن عدم قدرتنا على مخاطبة جمهورنا وأبناء دعوتنا وأبناء شعبنا باسم الحركة الإسلامية ليس معنى ذلك غيابنا ولا غياب جمهور دعوتنا، وليس معنى ذلك أنك أنت الوريث. نعم، أنت وريث قانوني وفق قانون نتنياهو، ولكنك لست وريثا شرعيا وفق قانون الدعوات وقانون الدين والأخلاق وقانون شعبنا.

يا دكتور منصور، إن شرعيتنا لا نستمدها من قانون إسرائيلي ظالم وجائر ومعاد لشعبنا ولديننا وقرآننا وأذاننا ولقدسنا وأقصانا، وإنما نستمد شرعيتنا من ديننا ومن أبناء دعوتنا ومن شعبنا ومن أمتنا. فإذا ارتضيت أنت لنفسك أن تكون شرعيتك من قانون إسرائيل فهذا شأنك.

يا دكتور منصور، شكرا لك وألف شكر، وأنت تستغل قرار الحظر وظروف الملاحقة والاعتقالات والسجون لإخوانك من قبل حكومة نتنياهو، وإذا بك تُخرج هذا الكم الرهيب من السهام المسمومة، تطعن بها في الظهر، حتى أنك تستكثر علينا أننا ما زلنا نتنفس، وما زلنا خارج السحن. فماذا ستفعل وماذا ستقول عندما يحدث ذلك؟!!
 

يا دكتور منصور، واضح من كلامك أنك بدأت تستعد للوصول ولتصبح عضوا في  كنيست إسرائيل، كما قلت في مقابلتك العتيدة: (وفيما يخص تركيبة المرشحين من قبل الحركة الإسلامية لانتخابات الكنيست المقبلة، قال بأنه هو شخصيا يدرس أمر ترشيحه للانتخابات).

هنيئا لك يا دكتور، ولكن لا تجعل إخوانك والظلم النازل بهم والقرارات الجائرة التي تحظرهم، لا تجعلها الجسر الذي تعبر عليه إلى الكنيست، ولا السلّم الذي تصعد عليه.

وإنني ما زلت على يقين أن إخوة كثيرين في شق الحركة الإسلامية الجنوبي لا يقولون بما يقوله صاحب الدر المنثور الدكتور منصور، ولكنني أتمنى أن أسمع من ينتصر، ليس لنا، ولكن لأنفسهم من هذه الإساءة التي لحقت بهم أكثر مما لحقت بنا.

كنت أتمنى، ونحن في ظل الظروف التي يمر بها شعبنا وأمتنا وفي ظل وجودنا على أعتاب وأبواب شهر رمضان المبارك، أن لا أكتب هذه السطور، ولكن لأن الرجل فعلها وكشف المستور الذي كان يؤمن به، فكان لا بد من الرد والتوضيح.

أخيرا أقول للدكتور منصور ومن يوافقه فيما قاله: إنك مخطئ إذا كنت تؤمن بنظرية المثل الشعبي: (إذا وقع الجمل بتكثر السكاكين). يا دكتور منصور أغمد سكينك، لم يقع جملنا ولن يقع بإذن الله.

{ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك غفور رحيم} .

 

رحم الله قارئا دعا لنفسه ولي ولوالديّ بالمغفرة
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون