Menu

موقع ديلي 48 | أخبار فلسطينيو ٤٨ اليومية

موقع ديلي 48 | أخبار فلسطينيو ٤٨ اليومية

الفرعون الكبير والفرعون الصغير

الشيخ كمال خطيب

 حورية القصر وحوريات الجنة 

ما أعظمه وما أبلغه من مثل ضربه الله سبحانه للذين يمتحنون بسبب دينهم ويدفعون ثمنا غاليا ضريبة لاختيارهم طريق الحق والفضيلة،إنه قول سبحانه وتعالى :"وضرب الله مثلا للذين امنوا امرأة فرعون اذ قالت رب ابنِ لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين)ايه 11 سورة التحريم.

إنها المرأة المؤمنة التي أصبحت مضرب الأمثال في صدق الإيمان وتعاليه على جاذبية ورفاهية القصور وبريق ورنين الذهب والماس،ورغم أن المرأة أي امرأة فان حب المال والذهب والزينة والرفاهية جزء من شخصيتها إن لم يكن أنه يولد معها،وهو جزء من فطرتها.لكن امرأة فرعون كانت امرأة غير عادية،وكانت طرازا فريدا.إنه الإيمان العميق الصادق ويقينها بأن ما عند الله خير وأبقى جعلها لا تفتن بحياة القصور,وإن أصبح قلبها معلّق بالآخرة.

فسبحان من جمع تحت سقف واحد،بل على فراش واحد،بل وجمع على وسادة واحدة بين رأسين رأس طافح بالكفر والعناد والضلال،ورأس امتلأ بالايمان والهداية والرشاد.فرعون الذي تكبرّ وتجبرّ وهو يقول أنا ربكم الأعلى،بينما زوجته آسيا المؤمنة الورعة تتمنى أن تكون قريبة من الرفيق الأعلى: ( رب ابنِ لي عندك بيتا في الجنة). لقد قال القائل:لقد خرجت زوجة فرعون من قصر الدنيا الى قصور الجنة،بينما خرج فرعون زوجها من قصور الدنيا الى عذاب القبر وجحيم النار،فسبحان من جمعهما في الدنيا في بيت واحد وعلى وسادة واحدة وفرق بينهما في الآخرة.

إن قصة امرأة فرعون وصفاء عقيدتها وقوة إيمانها وعدم انجرافها خلف نزوات النفس وبريق الجاه،جعلها ترتفع عن طين الأرض وجاذبية حطامها ،لتحلّق بأجنحة الشوق تطير بها الى دار النعيم الحقيقي والى دار الطمأنينة الصادقة،بعيدا عن زيف الدنيا وبريق القصور.
ولأنها كذلك،فقد استحقت أن تكون في الصفوة وفي الصف الأول وفي المقام الرفيع،استحقت أن يصنفها رسول الله عليه وسلم واحدة من أربع نساء هن خيرة نساء العالمين في الماضي وفي الحاضر وفي المستقبل.فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"خير نساء العالمين أربع آسيا زوج فرعون،مريم بنت عمران،خديجة زوج محمد وفاطمة بنت محمد".إن في قصة آسيا زوج فرعون العبرة والمثل لمن يسرقهم ويخطف عقولهم وقلوبهم زيف الدنيا وحطامها الفاني ببعض نعم الله أنعم بها عليهم،فيظنون أن فيها تكون السعادة الحقيقية،وما علموا أن ما عندهم هو ليس إلا فتاتُ ما كان عند آسية زوجة فرعون،ولكنها لم تلتفت إليه ولم يشغلها عن حبها الحقيقي وعن شوقها الدائم لئن تكون هناك قريبا من خالقها سبحانه وتعالى في الجنة،بينما فرعون زوجها الطاغية الكافر سيكون هناك وقريبا ولكن ليس الا في النار.إنها حورية القصر ستكون سيدة حوريات الجنة بإذن الله تعالى.

امرأة لا تعرف الذوبان

لقد عاشت آسيا زوج فرعون في قصره عيشة المرأة في بيت زوجها،لكنها أبدا ما ذابت في باطله ولا هي انصهرت في شخصه،وإن من عادة الناس أن يبالغوا في المجاملة لمن أحسن إليهم الى درجة الإستعباد كما قال الشاعر:

أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم فلطالما استعبد الإحسان إنسانا

فكيف لا تذوب امرأة في شخص زوجها وهو الذي أنعم وأغدق،وجعل كل ما يملك في خدمة زوجته.إنه الذي سخّر لها الخدم والحَشَم والجواري والذهب والحرير.

إننا نرى ونعرف قصة نساء كثيرات كانت الواحدة منهن صاحبة التزام ودين وخلق،ولكنها تهاونت حينما وافقت على الزواج ممن هو عكسها بتبرير أنها ستأثر عليه،وأنها ستكون سبب هدايته،مع أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى بأن يحرص والد الفتاة وأن تحرص هي على صاحب الدين والخلق(إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه)واذا بهذه الفتاة التي طمعت بالجاه والمال والمنصب الذي يشغله زوجها على حساب الدين والخلق،ودارت الأيام وإذا بها تتحول رويدا رويدا الى نمط حياة زوجها،وإلى أن أصبحت ليس فقط لا تنكر منكر,وإنما وتحت تبريرات كثيرة بل وحتى بدون تبريرات تتنازل عما كانت عليه،وتتراجع عما كبرت عليه,وإذا بها تذوب في عالم زوجها،عالم الشهوات والمتع،عالم البريق والزيف،عالم الذنوب والمعاصي.
وكم رأينا وعرفنا قصد علماء أصحاب مواقف ومكانة،لكنهم ارتضوا لأنفسهم أن يكونون قريبين من الطواغيت والظلمة،تحت تبرير أنه يستغل موقفه للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولنصيحة ذلك الطاغية.

دارت الأيام ومع خبث ومكر الطاغية لإسقاط العالم في شباكه ومع إغراقه بالمال والعطايا،وإذا بالمواقف تتبدل رويدا رويدا وإذا بالمجاملات والمداهنات تصبح هي سيدة الموقف،بل وإذا بذلك العالِم يصبح سلعة رخيصة بيد الطاغية وبوقا للنفاق ولتبرير أخطائه وجرائمه،بل ويلبسها ثوب الدين والمصلحة الوطنية،بل ويصبح سوطا وكرباجا على من كانوا بالأمس أخوة وشركاء في مشروع الدعوة الى الله ونصرة الدين.وما يجري هذه الأيام من بعض علماء السعودية ومصر عنا ببعيد.
إنها آسيا زوجة فرعون المؤمنة الصادقة التي صدقت ما عاهدت الله عليه،ومضت على طريق الإيمان من وسط بيت الطاغية ومن وكره الذي منه كان يرفع لواء العداء لله ولرسوله موسى عليه السلام.فمن هناك كانت تخرج نسمات الإيمان ووميض الهداية،بل ومن هناك كان يصدح صوت الحق يعلو في جنبات قصر الطاغية.إنها آسيا زوج فرعون،امرأة لا تعرف الذوبان ولا الانصهار،إنما هي التي حافظت على صفائها ونقائها وطهرها وصلابة عقيدتها.

وفرعون ذي الأوتاد

إنه فرعون الطاغية الكبير،الذي لم يرد في القرآن الكريم ذكرٌ وشرحٌ وتفصيلٌ لأي طاغية عنيد مثلما ورد ذكرٌ لفرعون. صحيح أن فرعون كان هو اللقب لملك مصر وحاكمها،كما هوهرقل لقب ملك الروم وكسرى لقب ملك الفرس،لكن الفرعونية هي ظاهرة وهي سلوك وهي منهجية في التعامل كانت يومها من فرعون الكبير ويمارسها اليوم فراعنة صغار.
إنه فرعون كل زمان وكل مكان ممن تغريه قوته وبطشه وجنوده،وإذا به يزداد طغيانا وظلما وينسى لغروره أن فوق القوي قوي.ولقد سطر لنا القرآن الكريم قصة طغاة كثيرين بلغت قوتهم كل مدى،وتجذرت فرعونيتهم وتحدوا بها السماء،فقد قال الله سبحانه وتعالى: (ألم تر كيف فعل ربك بعاد*إرم ذات العماد*التي لم يخلق مثلها في البلاد*وفرعون ذي الأوتاد*الذين طغوا في البلاد *فأكثروا فيها الفساد*فصب عليهم ربك سوط عذاب*إن ربك لبالمرصاد)5-14 سورة الفجر.
نعم إنه فرعون مصر نظر الى السماء فقال: (ما علمت لكم من إله غيري) ونظر الى الأرض فقال: (أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي).إنه الذي أعلن الحرب وتحدى من في السماء وتجبر وطغى وظلم من في الأرض.إنه كان يظن أن قوته وأوتاده وإمكاناته (وفرعون ذي الأوتاد) كان يظن أن فرعونيته المتجذرة لن يستطيع أن يواجهها أحد.وهكذا أهل الباطل دوما يظنون أنهم عصيّون على الاقتلاع،وأنهم أقوى من كل ريح ومن كل إعصار،وأنهم أقوى من إرادة الشعوب حين تتحرك للتغيير.

إنهم ولجهلهم ينسون أن فصول التغيير تمر بمراحل،وأن هذا الطاغية والفرعون, وكل فرعون يمكن أن يعطوا الفرصة تلو الفرصة حتى إذا لم يستغلوها ولم يتعلموا الدرس,فحتما لا بد من الفصل الأخير الذي سيكون قاسيا عليهم،بل إنهم سيكونون عبرة لمن يعتبر.إنه الرد الذي سيصفع غرورهم وهم الذين سبق وظنوا بل وأقسموا(أولم أقسمتم من قبل ما لكم من زوال)آيه 44 سورة إبراهيم.إنه أمر الله الذي قال عنه سبحانه: (فصب عليهم ربك سوط عذاب,إن ربك لبالمرصاد).
ها هم الفراعنة الصغار في زماننا وقد أوتوا قوة ومالا وجنودا،وإذا بهم يتعاملون بنفس منطق فرعون الكبير يقتلون ويظلمون ويبطشون،فيبطشون وينسون ويجهلون أن الذي كان لفرعون الكبير بالمرصاد فحتما سيكون للفراعنة الصغار بالمرصاد كذلك،ولن تغن عنهم أموالهم ولا أولادهم ولا جنودهم ولا أوتادهم.وأنهم إذا نجوا من جولة فإن بانتظارهم جولات وجولات.

 فرعون يتوسل

لقد علمنا القرآن الكريم كيف تحول الفرعون الكبير،الذي قتل الأطفال واغتصب النساء وهدد بقتل موسى وتحدى رب موسى(وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه)وحجته في ذلك وشعاره المزيف(إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد)آية 25 سورة غافر.إنه فرعون الذي هدّد بتقطيع أيدي وأرجل من آمن بموسى من السحرة بل وصلبهم(لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين)آية 124 الأعراف.

ها هو نفس الفرعون وقد رأى الماء يطبق عليه والبحر يبتلعه،ورأى آيات الحق البينات ورأى ما فعل اله موسى الذي تحداه يوما بأنه سيبلغ أسباب السماء ليطلع إليه،وإذا به يقف أمام الحقيقة صاغرا ذليلا مهينا متوسلا يقول(آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين)آية 9 سورة يونس ,ليأتيه الرد السريع على هذا الإيمان المزعوم الذي ادعاه بسبب الخوف والرهبة من عظيم ما رأى من أمر البحر الذي ضربه موسى بعصاه فانفلق(ءَآلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين)آية 91 سورة يونس.

وها نحن نراهم الفراعنة الصغار الذين يتحدون ويعلنون الحرب الساخرة على الإسلام وعلى دعاته وعلى كل من يدعو الناس إليه،ويصفونه بالإرهاب مثلما وصف فرعون موسى بأنه مفسد(أو أن يظهر في الأرض الفساد).ها نحن نراهم يسخّرون إمكاناتهم المالية والاقتصادية والإعلامية والسياسية لحرب المشروع الإسلامي،ولكنهم حتما سيفاجَؤون أمام الحقيقة وأمام صدمتهم وهم يرون الإسلام ينتصر،وإذا بهم وبنفس منطق فرعون،وبعد أن يتبين لهم فشل مشاريعهم ومخططاتهم السوداء،وإذا بهم بعد أن تملأ تكبيرات النصر سماء الدنيا،وهم يرون زحوف الإسلام تتقدم وراياته تخفق،ويرون دولة الإسلام وعاصمتها القدس الشريف تقوم،فإنهم وبنفس منطق الجبان والمهزوم سيقولون ما قاله فرعون(آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل).سيقول الفراعنة الصغار من أصحاب الجلالة والفخامة،سيقول العملاء من حكام المسلمين بل وحتى أسيادهم:آمنت بالذي آمن به الدعاة والعلماء فكنا نسخر منهم،آمنا بما كنا نسمع أن رسول الإسلام وعد ما به من نصر الإسلام فكنا نستهزئ به،آمنا بما كان يقال لنا أن الله يتحدث في قرآنه أنه لن يتخلى عن أوليائه وأنه سينصر رسله والذين آمنوا وإن جنده هم الغالبون،فكنا يغشى علينا من الضحك.

نعم وإنني أقسم غير حانثٍ أنهم سيقولونها وسيعضون أصابع الندم.سنقول لأتباع الظلمة ممن أجبروا على السير في ركابهم مكرهين(لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم).أما الطواغيت والفراعنة والنماردة،أما أدعياء الألوهية،أما الذين تطاولوا على الإسلام ورموزه ودعاته،فإننا سنسخر منهم كما سخروا منا.وسنقول لهم ما قال الله لفرعون وهو في أسفل قاع البحر يتوسل ويتودد(ءَآلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين)آية 91 سورة يونس.وإن غدا لناظره قريب.نحن أقرب الى الفرج فأبشروا.

رحم الله قارئا دعا لنفسه ولي ولوالدي بالمغفرة.
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.